ابن عطية الأندلسي

480

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

مجحفة لسعة الحال أن الفرض لا يسقط ، وعلى هذا المنزع جماعة أهل العلم وعليه مضت الأعصار ، وهذه نبذة من فقه الاستطاعة ، وليس هذا الجمع بموضع لتقصي ذلك واللّه المستعان . والسبيل - تذكر وتؤنث ، والأغلب والأفصح التأنيث ، قال اللّه تعالى : تَبْغُونَها عِوَجاً [ آل عمران : 99 ] وقال : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي [ يوسف : 108 ] ومن التذكير قول كعب بن مالك . قضى يوم بدر أن تلاقي معشرا * بغوا وسبيل البغي بالناس جائز والضمير في إِلَيْهِ ، عائد على البيت ، ويحتلم أن يعود على الحج ، وقوله تعالى : وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ قال ابن عباس : المعنى ، من زعم أن الحج ليس بفرض عليه ، وقال مثله الضحاك وعطاء وعمران القطان والحسن ومجاهد ، وروي عن النبي عليه السلام أنه قرأ الآية ، فقال له رجل من هذيل : يا رسول اللّه من تركه كفر ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم من تركه لا يخاف عقوبته ، ومن حجه لا يرجو ثوابه فهو ذلك وقال بمعنى هذا الحديث ابن عباس ومجاهد أيضا ، وهذا والذي قبله يرجع إلى كفر الجحد والخروج عن الملة ، وقال ابن عمر وجماعة من العلماء معنى الآية ، من كفر باللّه واليوم الآخر وهذا قريب من الأول ، وقال ابن زيد : معنى الآية من كفر بهذه الآيات التي في البيت ، وقال السدي وجماعة من أهل العلم : معنى الآية : ومن كفر بأن وجد ما يحج به ثم لم يحج ، قال السدي : من كان بهذه الحال فهو كافر . قال القاضي أبو محمد : فهذا كفر معصية ، كقوله عليه السلام : من ترك الصلاة فقد كفر وقوله : لا ترجعوا بعدي كفارا ، يضرب بعضكم رقاب بعض ، على أظهر محتملات هذا الحديث . وبيّن أن من أنعم اللّه عليه بمال وصحة ولم يحج فقد كفر النعمة ، ومعنى قوله تعالى : غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ الوعيد لمن كفر ، والقصد بالكلام ، فإن اللّه غني عنهم ، ولكن عمم اللفظ ليبرع المعنى ، وينتبه الفكر على قدرة اللّه وسلطانه واستغنائه من جميع الوجوه حتى ليس به افتقار إلى شيء ، لا ربّ سواه . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 98 إلى 99 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ( 98 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 99 ) هذه الآيات توبيخ لليهود المعاصرين لمحمد صلى اللّه عليه وسلم و الْكِتابِ التوراة ، وجعلهم أهله بحسب زعمهم ونسبهم ، وإلا فأهله على الحقيقة هم المؤمنون ، و « آيات اللّه » يحتمل أن يريد بها القرآن ، ويحتمل أن يراد بالآيات العلامات الظاهرة على يدي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقوله تعالى : وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ وعيد محض : أي يجازيكم به ويعاقبكم ، قال الطبري : هاتان الآيتان قوله ، قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ وما بعدهما ، إلى قوله أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [ آل عمران : 105 ] ، نزلت بسبب رجل من يهود ، حاول الإغواء بين الأوس والخزرج ، قال ابن إسحاق : حدثني الثقة عن زيد بن أسلم ، قال شاش ابن قيس اليهودي ، وكان شيخا قد عسى في الجاهلية ، عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، والحسد